الخميس، 22 نوفمبر 2018

خصائص أهل السنة والجماعة

خصائص أهل السنة والجماعة
فضيلة الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي

 إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فنحمد الله تبارك وتعالى الذي جعلنا جميعاً من أهل السنة وفي ذلك اصطفاء واختيار وتكريم من الله تبارك وتعالى لمن كان كذلك، ونحمده أن جمعنا لنعرف بعضاً من خصائصهم ومناقبهم العظيمة، التي ميزهم الله تبارك وتعالى بها على سائر أهل الإسلام.

تعلمون أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار، وقد اختار واصطفى أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سائر الأمم والملل يقول تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] ويقول الله تبارك وتعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110] ويقول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  [البقرة:143] فهذه الأمة أورثت الكتاب، واصطفيت، وكانت خير أمة أخرجت للناس، وهي شاهدة على الناس يوم القيامة، حين يشهد عليها رسولها محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد اختص الله تبارك وتعالى واختار من هذه الأمة المصطفاة المختارة طائفة بعينها، هي في هذه الأمة كأمة الإسلام بين أهل الأديان وسائر الملل، وهذه الطائفة هي ما نسميه أهل السنة والجماعة ، ولهذه التسمية مدلولها، وبها يتميز المنهج والخاصية العظمى لـأهل السنة والجماعة ، وكما أن سائر الأديان والملل نسخت بشريعة الإسلام وبدين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخاتِم، فكذلك بقية الفرق والطوائف المنتسبة إلى القبلة أيضاً هي في منزلة تلك الملل بالنسبة لهذه الطائفة، أي أن تلك الفرق والطوائف هي مفضولة بالنسبة لـأهل السنة والجماعة ، ثم يتفاوت مقدار ذلك الفضل.

الاعتصام بالكتاب والسنة
أول ما يميزهم وأعظم خاصية لهم هي أنهم -كما هو واضح من اسمهم- يتمسكون بكتاب الله تبارك وتعالى، وبسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولاً وعملاً واعتقاداً ظاهراً وباطناً، فلا يأخذون دينهم واعتقادهم من مصدر غير كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كائناً ما كان ذلك المصدر، ولا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ولا يرفعون أصواتهم فوق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يرضون أن يرفع أحد صوته فوق صوت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأن يحدث في هذا الدين أمراً مخالفاً لأمره مجانباً لسنته إلا ويرفض ويرد عليه.

وبضدها تتميز الأشياء، فإذا قارنت بين هذا المنهج العظيم، وبين غيره من المناهج فإن الفرق يبدو جلياً وواضحاً، ولسنا بصدد تبيان تلك المناهج بالتفصيل، ولكن لو نظرنا نظرة إجمالية لوجدنا أن المناهج في الأصل هي ثلاثة:
المنهج الأول: هو ذلك المنهج الذي ينحى المنحى العقلي، والذي يدعي بزعمه تحكيم العقل والمنطق والبراهين والنظريات العقلية.

والمنهج المضاد له: هو ذلك المنهج الذي يستقي ويستمد من الكشف، أو من الذوق والوجد، أو غير ذلك من المعايير غير العقلية كمعيار العاطفة، أو معيار الوجدان.
وبإيجاز نقول: إن المنحى الأول وهو منحى أهل الكلام عموماً من معتزلة وأشعرية ومن جرى مجراهم، يجعل الدين والإيمان والعقيدة فكرة عقلية، فالإيمان عندهم فكرة عقلية.
والمنهج المضاد الآخر هو منهج أهل التصوف والتنسك والتزهد غير المشروع، فهؤلاء يجعلون الإيمان والدين والعقيدة تجربة روحية.

ولهذا يصعب حصر الفريق الأول وكذلك الآخر؛ لأن العقول تختلف وتتباين، وكذلك التجارب الروحية الذاتية هي أكثر اختلافاً وأكثر تبايناً. فميز الله تبارك وتعالى أهل السنة والجماعة بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فعرفوا للعقل منزله ومكانته، وعرفوا للحقائق والأذواق الإيمانية الحقة قيمتها ومنزلتها، ولكن الحَكَمَ في ذلك كله هو النص من الوحي، من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ  [الأنبياء:45].

ولم يوجد عند أهل السنة والجماعة تصور معارضة أو تضاد بين العقل الصحيح السليم وبين الوحي، ولا بين الذوق الإيماني الصحيح وبين الوحي، فضلاً عن أن يقولوا كما قال أولئك بأنه عند التعارض يقدم العقل، أو يقدم الكشف، أو يقدم أي شيء غير كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

بل إن من أصول أهل السنة والجماعة الثابتة أن أقوال أئمة أهل السنة والجماعة ابتداءً بالصحابة الكرام ومروراً بالتابعين، ثم الأئمة الأربعة والسلف الصالح أجمعين، -على جلالتهم وقدرهم وفضلهم- لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعارض بها نص من الكتاب والسنة على الإطلاق، فإنما هي بمنزلة بعد منزلة النص عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فلا يمكن أن يقدموا قول أحد كائناً من كان على قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن كان صحابياً ذا فضل، أو إماماً مجتهداً مع الاحترام والتقدير لأولئك الأئمة الكرام، فضلاً عن أن يقدموا عليه كلام أحد من المبتدعة الضالين أو أصحاب الكلام، أو أصحاب الأذواق والمواجيد والكشوفات الباطلة، وبهذا تميز منهج أهل السنة والجماعة بالعلم.
وهذا ينقلنا إلى الميزة الأخرى.

 العلم :
فمنهجهم قائم على العلم، فهم في كل أمر وفي كل حكم يطلبون الدليل من الكتاب والسنة، ولهذا نجد أن علماء السنة أجمعين الذين كتبوا، وكذلك الذين لم يدونوا بل سبقوهم؛ نجد أنهم جميعاً من أهل السنة والجماعة ، وأهل السنة والجماعة أكثر الطوائف حرصاً على السنة تدويناً لها وحفظاً، وإن وجد من غيرهم من يهتم بها فهو لخدمة هوى في نفسه أو ليخلط حقاً بباطل -ولا يسلم من ذلك- أما أهل السنة والجماعة فإنهم يهتمون بكتاب الله عز وجل حفظاً وتلاوة، ويهتمون بسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حفظاً وفهماً وتصحيحاً وتضعيفاً، فالحديث الضعيف -فضلاً عن الموضوع- لا يعتد به ولا يعمل به، فضلاً عن الكشوفات أو الآراء أو الخيالات أو المنامات التي يعتمد عليها غيرهم.
فهم إذاً يتميزون بالبصيرة وبالمنهج الصحيح، وهو منهج العلم المُتلقى عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بواسطة أولئك الرجال الثقات الذين لم تشهد أمة من الأمم على الإطلاق مثلهم في الحفظ والضبط والدقة والفهم والاستنباط.

 الوسطية
ومما يميز أهل السنة والجماعة ويختصون به دون غيرهم من الطوائف، أنهم أمة وسط، وهذه الوسطية تتجلى في أمور الإيمان والعقيدة جميعاً، فكما أن هذه الأمة -أي أهل القبلة عموماً- جعلها الله تبارك وتعالى أمة وسطاً، فـأهل السنة هم وسط هذه الأمة وخيارها، وأصحاب المنهج الوسط في هذه الأمة، فلو أخذنا نضرب الأمثلة من أبواب العقيدة والإيمان باباً باباً لطال بنا المقام، ولكن نوجز ذلك بما يتضح به هذا المنهج القويم:
فمثلاً في صفات الله تبارك وتعالى نجد أن الطوائف قد ضلت، فمنهم من أثبت وغلا في الإثبات حتى مثَّل الله تبارك وتعالى بخلقه، وهؤلاء هم أهل التمثيل أو التشبيه، وهؤلاء هم كما اعتبرهم السلف الصالح عباد صنم، لأنهم جعلوا صفات الله تبارك وتعالى مماثلة لصفات المخلوقين.

وفي المقابل نجد أولئك الذين نفوا صفات الله تبارك وتعالى، وغلوا في التنزيه -بزعمهم- حتى لم يثبتوا له تبارك وتعالى شيئاً من صفاته أو أنكروا بعضاً منها، وهؤلاء كما قال فيهم السلف : [[الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً]] فوصفوا الله تبارك وتعالى بالعدم (بالصفات السلبية).

كما نقول في صفة العلو -مثلاً- ونؤمن -نحن أهل السنة والجماعة - كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه أن الله تبارك وتعالى على العرش استوى، وأنه فوق جميع المخلوقات، فيقول هؤلاء -أي الممثلة -: استوى كالمخلوقين، ويقول أولئك -أي المعطلة -: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا يميناً ولا شمالاً!! نعوذ بالله من الزيع والضلال.

وأما أهل السنة فهم وسط، فيثبتون لله كل ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصفات إثباتاً لا تمثيل فيه، وينفون عن الله تعالى ما لا يليق به نفياً لا تعطيل فيه، من غير تحريف، ومن غير تكييف، هذا هو المذهب السليم الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة جميعاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق